الثلاثاء - 9 ذو الحجة 1439 هـ , 21 أغسطس 2018 م - اخر تحديث: 22 فبراير 2017 الساعة 10:28 ص
الرئيسية الحصاد الجشي يفند مقولة «الهيئة الملكية فكرة بكتل»

حديث الذكريات ..

الجشي يفند مقولة «الهيئة الملكية فكرة بكتل»

ddd

dsds
يعتبر الدكتور جميل بن عبدالله الجشي من جيل الرواد الذي عملوا بالهيئة الملكية للجبيل وينبع منذ وقت مبكر، تخرج في جامعة بتسبرج الأمريكية عام 1394هـ في تخصص الهندسة الصناعية، فرشحه معالي الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله -ليكون أول رئيس تنفيذي للهيئة الملكية بالجبيل. خدم الدكتور جميل الجشي الدولة في عدة مواقع، حيث كان عضواً في مجلس الشورى ثم عمل سفيراً لخادم الحرمين الشريفين لدى إيران، وبمناسبة مرور أربعين عاماً على تأسيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع تفاعل  الدكتور  جميل مع الإصدار الخاص من مجلة جبين بهذه المناسبة فسطر بقلمه ذكرياته مع الهيئة الملكية.

كنت في السيارة متجهاً من الرياض إلى المنطقة الشرقية، حيث تقيم عائلتي في القطيف، عندما قرأ مذيع نشرة أخبار الظهيرة بإذاعة المملكة العربية السعودية نبأ صدور المرسوم الملكي الكريم القاضي بتأسيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع لتنفيذ مشاريع التجهيزات الأساسية والبنى التحتية لكل من (مشروع الجبيل) و(مشروع ينبع) اللذَين تحولا فيما بعد إلى مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين.

كنت بحكم عملي في مركز الأبحاث والتنمية الصناعية قد اطلعت على الدراسة العامة عن (مجمع الجبيل الصناعي) التي أعدت من قبل شركة (بكتل) بناء على توجيهات جلالة الملك فيصل رحمه الله، وكان السيد ستيف بكتل الذي قدم الورقة (المقترح) يأمل بأن تفوز شركته بتنفيذ مشروع أو أكثر من المشاريع الصناعية التي بدأت الدولة تفكر في تنفيذها منذ الستينات الميلادية، حيث تم تأسيس المؤسسة العامة للبترول والمعادن (بترومين) لإقامة المشاريع الصناعية المعتمدة على استخدام الغاز المصاحب كمصدر للطاقة أو لقيم، والذي كانت أرامكو تحرقه أو تعيد ضخه لباطن الأرض للمحافظة على الضغط في آبار النفط.

وكانت (بترومين) قد انتهت من إنشاء شركة الأسمدة العربية السعودية (سافكو) في الدمام منتصف الستينيات، وتقوم في ذات الوقت بمفاوضات مكثفة مع بعض الشركات العالمية في مجالات الصناعات الأساسية كمصاهر الألمنيوم والحديد ومصانع البتروكيماويات.

وبناء على وجود ورقة بكتل (المقترح) التي أشرفت عليها اللجنة الوزارية برئاسة سمو وزير المالية والاقتصاد الوطني آنذاك الأمير مساعد بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، اعتقد البعض أن فكرة (مشروع الجبيل) قد جاءت من شركة (بكتل)، وهذا الاعتقاد غير صحيح بدليل أن (بترومين) كانت قد قطعت شوطاً كبيراً مع بعض الشركات لتنفيذ عدد من المشروعات الصناعية، التي استكملت مفاوضاتها فيما بعد (سابك).

وكانت (بترومين) أيضاً قد خصصت بعض قطع الأراضي لتلك الشركات في الأرض التي كانت الحكومة قد خصصتها لمشروع الجبيل شمال مدينة الجبيل التاريخية، والتي أقيم عليها مشروع الجبيل أو ما يعرف الآن بمدينة الجبيل الصناعية، وللمعلومية هناك أرض أخرى تقع جنوب الجبيل على بعد 20كم، كانت الحكومة قد خصصتها للمشاريع الصناعية أيضا، وبقيت كأرض احتياط أو بديلة، ولا أعرف ماذا تم بها.

الدراسة جاءت في (12) مجلدا ترسم صورة عامة لإقامة مجموعة من  مشاريع الصناعات الأساسية وجدواها وما تحتاجه من مرافق مساندة أثناء الإنشاء وبعده، مع تقدير عدد العاملين في مراحل الإنشاء والتشغيل واحتياجات هؤلاء العاملين من مساكن ومرافق أخرى كالتعليم والصحة وغيرها، واحتياجات المدينة وسكانها من الطرق والكهرباء والماء والموانئ وغيرها مما يلزم لقيام الصناعات.

هذه الدراسة وما احتوت عليه من معلومات وتصورات عامة عن مشروع الجبيل، جاءت إلينا في مركز الأبحاث والتنمية الصناعية التابع لوزارة التجارة في تلك الفترة، فاطلعت وزملائي عليها وأبدينا ملاحظاتنا، ثم أرسلناها إلى جهة الاختصاص.

في ضوء تلك المعلومات البسيطة، وإثر إذاعة المرسوم ولسبب لا زلت أجهله، بدأت أحلم وأنا في الطريق، وكأني أصبحت مسؤولاً في المشروع وليس بالضرورة مسؤولاً عنه، ما الذي يجب علي وزملائي أن نعمله لتحقيق ما جاء في الدراسة وما خطه المرسوم الملكي الكريم.

لم يدم حلم اليقظة طويلاً بسبب صعوبة طريق (الرياض / الدمام) في ذلك الوقت، إذ كان مساراً واحداً في كل اتجاه مع سفلتة من الدرجة الخامسة! فانتهى الحلم وعاد انتباهي للطريق ونسيت كل شيء عن المشروع.

علمت فيما بعد أن فكرة تأسيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع قد جاءت من المسؤولين عن التخطيط في المملكة للتغلب على المشاكل البيروقراطية التي تواجهها ومازالت مشاريع البنية الأساسية في مدن المملكة المختلفة، فيما جاءت فكرة تأسيس الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) من معالي وزير الصناعة والكهرباء آنذاك الدكتور غازي القصيبي رحمه الله.

وقد تقرر أن تضطلع (سابك) بجميع المشاريع المتعلقة بالبتروكيماويات والحديد والألمنيوم في الجبيل وينبع الصناعيتين، بينما تختص وزارة البترول و(بترومين) بمشاريع استخراج البترول وتكريره وتسويقه، وتختص (أرامكو) بتنفيذ مشروع تجميع الغاز على نفقة الدولة، ومن ثم توفير ذلك الغاز للصناعات في الجبيل وينبع أو بيعه كغاز مسال.

بعد عدة شهور من صدور مرسوم تأسيس الهيئة الملكية، وبدون الدخول في التفاصيل، تم ترشيحي ومن ثم تعييني كنائب للمدير العام، في البداية بقرار من نائب رئيس الهيئة الملكية معالي الأستاذ هشام ناظر، ومن ثم صدر قرار مجلس الوزراء بتعييني كمدير عام لمشروع الجبيل، وهنا أصبح الحلم حقيقة وبدأ التحدي!

قبل إيراد بعض الذكريات أجد من الضروري الإشارة إلى بعض النقاط الهامة التي جاءت في مرسوم تأسيس الهيئة الملكية، لقد نص المرسوم بوضوح على الهدف من إنشاء الهيئة الملكية، كما أجاز لمجلس إدارتها وضع الأنظمة اللازمة لتحقيق ذلك الهدف، دون التقيد بالضرورة بالأنظمة السائدة (المالية والإدارية وشؤون الموظفين) وإن كانت الهيئة قد حاولت قدر الإمكان عدم الخروج عن تلك الأنظمة، على الأقل من حيث الروح. كما فتح المرسوم الباب لقيام الهيئة بتنفيذ مشاريعها بالأسلوب اللامركزي، عن طريق تحديد وجود مدير عام لكل مشروع، مما يعني تحديد مسؤولية كل مشروع في مديره العام، تحت مظلة وتوجيهات مجلس الإدارة وعلى رأسه سمو ولي العهد (الملك فهد لاحقاً)، ومن ثم إشراف نائب رئيس الهيئة.

مع ذلك كان هناك من التنسيق بين المشروعين ما عزز حسن التنفيذ والاستفادة وتوحيد قواعد العمل الأساسية بقدر الإمكان، مع مرونة في الإجراءات التفصيلية وطريقة العمل في كل مشروع، ورقابة عامة كانت تتم من قبل نائب رئيس الهيئة الملكية بمعاونة الأمانة العامة، وهي بالمناسبة لم تكن موجودة في النظام، ولكن نائب الرئيس رأى أهمية وجودها لمساعدته. أتذكر المفاوضات المطولة مع (بكتل) للاتفاق على (عقد الخدمات الإدارية) وقد استعنا فيها بمستشارين أمريكان (شيرمان وسترلنج) وسعوديين (مكتب سعود الشواف)، وناقشنا (مشروع العقد) كلمة كلمة، لتكون الصورة واضحة للهيئة الملكية وشركة (بكتل)، ورسمنا ضمن العقد أسلوب العمل الذي سيتم بموجبه التنفيذ بالقدر المناسب من التفاصيل، مثل الهيكل التنظيمي (الذي اتخذ نظام المصفوفة) ودور ومكان كل فرد من العاملين في المشروع، وأهمية وجود (دليل الإجراءات) لينظم العمل خطوة خطوة، ويوضح صلاحيات كل طرف، مع احتفاظ الهيئة الملكية بالقرار النهائي في الأمور الهامة أو الجوهرية.

ونص العقد على أهمية تدريب منسوبي الهيئة ووضع القواعد المنظمة لذلك ضمن الهيكل التنظيمي المشترك، وتحديد دور المتدربين، وضرورة وضع البرامج اللازمة لتدريبهم، ودور موظفي الهيئة الملكية، من غير المتدربين، وعلاقتهم مع موظفي (بكتل) حتى يعرف كل طرف مكانه ويعمل في حدود ما هو متفق عليه.  كما تضمن العقد ضرورة كتابة القواعد اللازمة لأعمال المشتريات والمناقصات بما يسهل العمل ويضمن أفضل الممارسات في إجراءات المناقصات، وتم إصدار (دليل المشتريات والمناقصات) ليأتي الناتج بأحسن ما يكون وبأقل تكلفة ممكنة. وبالمناسبة كان هناك فكرة تلزم كامل الأعمال المطلوب تنفيذها لشركة أو مجموعة متضامنة من الشركات، إلا أن مجلس إدارة الهيئة الملكية اختار البديل الآخر القاضي بتفتيت المشروع إلى عقود متوسطة الحجم تسمح لأكبر عدد ممكن من الشركات والمؤسسات المحلية بالمساهمة في تنفيذ تلك المشاريع، وذلك لتعميم الفائدة وإعطاء المواطنين الفرصة للكسب المادي والمعنوي المتمثل بتراكم الخبرة في تنفيذ المشاريع. بعد صدور قرار نائب رئيس الهيئة الملكية بتعييني نائباً لمدير عام المشروع، بدأت عملي في مقر الهيئة الملكية بالرياض (الأمانة) التي استأجرت لها فيلا كمقر مؤقت قبل انتقالها لمبنى وزارة التخطيط، وأول عمل قمت به كان تعيين الأخ محمد ذياب العتيبي يرحمه الله كسكرتير للمدير العام، وهو ثاني موظف في المشروع، وبقينا في الرياض حتى انتهينا من توقيع العقد مع (بكتل)، وعندها انتقلت (إدارة المشروع) المكونة من الأخ محمد العتيبي وشخصي إلى الخبر، وقمت بأول زيارة للأرض المخصصة للمشروع شمال مدينة الجبيل التاريخية (البلد)، وكانت أرضا جرداء خالية إلا من بعض الكثبان الرملية أو (سبخة) بمساحة 900 كم2 تقريباً.

بعد تلك الزيارة بدأنا مع (بكتل) في كتابة ومراجعة المسودات الأولى (لدليل الإجراءات) و (دليل المشتريات والمناقصات) في الوقت الذي بدأ فيه مهندسو (بكتل) في أعمال التحضير لمساكن العمال والموظفين والمكاتب اللازمة في الخبر والجبيل، بينما كانت الهيئة الملكية ممثلة بمشروعي الجبيل وينبع مع الأمانة العامة تستكمل إعداد وثائق الهيئة خصوصاً ما يتعلق باللائحة المالية ولائحة الموظفين وغيرها، للعمل بها بعد إقرارها من قبل مجلس الإدارة.

وإذا كانت هذه الذكريات الفنية والإدارية التي عايشتها طيلة عملي في المشروع لها أي قيمة فنية أو تاريخية، فإن الأهم بالنسبة لي والهيئة تحتفل بالذكرى الأربعين لإنشائها، هي ذكرياتي مع الشباب السعودي الذين كانوا الرعيل الأول للمشروع، والذين عملوا بجد وإخلاص وتفان يفوق كل مردود مادي حصلوا عليه، فكانوا العين الساهرة والناقدة والمتابعة والمصححة لكل اعوجاج، وكان الاعتماد عليهم وعلى آرائهم ومقترحاتهم بعد الله، هو الذي ساعد على أن يشق المشروع طريقه طبقا لتطلعات القيادة وآمال المسؤولين وكل المخلصين من أبناء الوطن الغالي. وإذا كنت هنا أشيد بجهود الشباب السعودي، فإني لا أنقص من الجهود التي بذلها الخبراء والفنيون الأجانب، ابتداء من العاملين لدى شركة (بكتل) وكل الشركات الاستشارية المحلية والأجنبية والعاملين في شركات المقاولين من سعوديين وغيرهم.

نعم، كان لوجود الشركات العالمية والميزانية دور مهم، ولكن الأهم هو وجود الإرادة، ووضع الخطط والمعايير المناسبة، ومن ثم النظام الصارم للمراجعة والمتابعة الميدانية والمكتبية، للتأكد من العمل بتلك الخطط والمعايير، وهذا هو دور الشباب السعودي والإدارة في الهيئة الملكية. وفق الله القائمين على المشروع في مراحله الجديدة والموسعة (الجبيل 2)، ورحم الله المتوفين ممن عملوا في المشروع سابقاً، وأدام الصحة على الأحياء، وغفر لنا ولهم ما كنا قد أخطأنا فيه بغير قصد.

وختاماً أود أن أعبر عن اعتزازي بثقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الذي تفضل يرحمه الله بالموافقة على تعييني كمدير عام لمشروع الجبيل، وأعبر أيضا عن امتناني لروح معالي الدكتور غازي القصيبي رحمه الله الذي كان صاحب فكرة الترشيح، والشكر موصول لمعالي الأستاذ هشام ناظر، أعطاه الله الصحة وطول العمر، على قبول ترشيحي أولا ثم للمعاملة الحسنة والمساندة والدعم والتوجيه المستمر أثناء وجودي معه في منصب المدير العام، وثقته ولا مركزيته في إدارة العمل.

وأرجو بعد كل ذلك أن أكون قد رددت لهم جميعاً، وللوطن، بعضا من جمائلهم وثقتهم، وساهمت ولو بالنزر اليسير في تحقيق الأهداف السامية التي رسمتها الدولة للهيئة الملكية ومشاريعها في الجبيل وينبع الصناعيتين، ولا أنسى شكر الرئيس الأسبق للهيئة الملكية سمو الأمير عبدالله بن فيصل بن تركي آل سعود متعه الله بالصحة والعافية وطول العمر، وسمو رئيسها الحالي الأمير سعود بن عبدالله بن ثنيان آل سعود، حفظه الله ورعاه ووفقه لمواصلة مسيرة الهيئة الملكية المباركة، وما توفيقي إلا بالله.

لا توجد تعليقات
2965 مشاهدة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *