الثلاثاء - 5 محرم 1439 هـ , 26 سبتمبر 2017 م - اخر تحديث: 26 يناير 2016 الساعة 10:33 ص
الرئيسية الواحة ابن رشد.. حُرقت المؤلفات وبقيت الأفكار

ابن رشد.. حُرقت المؤلفات وبقيت الأفكار

5555
فيصل الدوخي - الرياض

 

لم يدر في خَلَد علماء الفلك والجغرافيا والاجتماع المسلمين أن أفكارهم وكتاباتهم عن العوالم المأهولة والمجهولة ستستغل من أباطرة وملوك أوروبا في مشروع غير وجه الكرة الأرضية وقلب موازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية. تلك التحولات بدأت علاماتها تلوح بوصول سفن ملكة أسبانيا إيزابيلا الأولى إلى سواحل جزر الكاريبي في أواخر القرن الميلادي الـ15، واتضحت معالمها جلية بعد رحلة المكوك الفضائية أبولو 11 قبل نحو 50 عام، حينها نصب الرائد نيل أرمسترونج علم الولايات المتحدة على سطح القمر.

وأمتنا وهي تتفرج على تلك الأحداث والتحولات التاريخية منذ نحو خمسمائة عام تقهقرت وتراجع دورها بسبب تهميشها للعلماء والمفكرين، فضلا عن اضطهاد عدد منهم، ونرى الآن وبأم العين العقول العربية وهي تهاجر زرافات إلى أحضان الغرب الذي قدّر وأكرم وأنزل تلك الصفوة المكانة التي تستحق.

إن الأمم تزداد قوة واحتراماً، والشعوب تعلوا شأناً ومقاماً، كلما وجد العلماء البيئة الملائمة للتفكير والتأليف، ولنا في قصة العالم المسلم ابن رشد البرهان، فهذا الفيلسوف الأندلسي نذر حياته للتبصر في إبداع الخالق سبحانه والتأليف عما رأى وخبر وجرب، إلا أنه جوزي بالطرد والتشريد، ونالت كتاباته ومؤلفاته من العذاب نصيب. وكنتيجة طبيعية لهذا التدهور الفكري والفوضى الإدارية حلت بالأمة الكوارث والنكسات، فبعد رحيل ابن رشد عن دنيانا بـ14 عاماً هُزم جيش الموحدين المسلم في معركة العقاب المفصلية أمام مسيحيي قشتالة الأسبان، وما هي إلا سنوات حتى سقطت آخر الإمارات الأندلسية. ومنذ ذلك الحين تحولت الأندلس إلى المعسكر الغربي لتكون خط هجومهم الأول بعدما كانت لثمانية قرون عمقاً استراتيجياً لقوم أضاعوها فلم يبق لهم إلا الذهاب في أفواج سياحية ليبكوا على أطلال فردوسهم المفقود.

النشأة والتعليم:

هو أبو الوليد الحفيد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي واشتهر بابن رشد نسبة إلى جده الأكبر ويسميه الغربيون بـ(افيروس) (Averroes).

ولد في قرطبة عاصمة الفكر والثقافة الأندلسية سنة 1126م، فنشأ في أُسرة عربية اشتهرت بالعلم والجاه. تلقى دروسه في جامع قرطبة أهم معقل تعليمي حينئذ، فدرس في هذه الجامعة التي خرجت أفذاذاً من عباقرة الماضي العلوم الدينية والمدنية وطائفة من العلوم المحضة كالطب والرياضة والطبيعة والفلك، وكان من الطبيعي بعد تلقيه لهذه الجملة المتنوعة من العلوم أن يميل إلى التأمل المستنير والتفكير المتعمق الأمر الذي قاده ليكون أشهر فلاسفة زمانه. عمل أول أمره في القضاء حيث كان قاضياً لإشبيلية ثم انتقل إلى قرطبة ليكون قاضي القضاة فيها وهذا المنصب شغله من قبله والده ومن قبلهما جده الذي وصف بأنه أوحد زمانه في طريقة الفقهاء وهو من كُني علمنا بالحفيد نسبة إليه.

التشريح والإيمان:

أثرت إسهامات ابن رشد مكتبات العالم، فكتبه لا تزال تباع بكميات توازي مصنفات المؤلفين الحاليين، بل إن أعرق جامعات الشرق والغرب مازالت تضخ أفكاره المتنورة في عقول الطلبة والدارسين، ففي الحقل الطبي انحصر اهتمام ابن رشد بالتشريح وآلية الدورة الدموية عند الإنسان وتشخيص بعض الأمراض ووصف الأدوية لها، ومن هنا يتبين ميله إلى وضع النظريات لهذا العلم، إلا أنه مارس الطب كمهنة، فعندما تقدم العمر بابن الطفيل وهو العالم المعروف وطبيب دولة الموحدين لم يجد الحاكم ابو يعقوب يوسف بداً من تعيين ابن رشد في هذا المنصب، ورغم انشغاله بالقراءة والكتابة طيلة حياته إلا أن عالمنا وجد الوقت الكافي لعلاج عامة الناس في كل مدينة نزل بها دون أن يتقاضى درهما أو دينارا.

ومن إسهاماته ما قدمه من تحليلات شارحة لطريقة عمل شبكة العين حيث وصف تشريح هذا الجزء من الجسم بدقة متناهية فقال: إنها مركبة من سبع طبقات وثلاث رطوبات، وذكر الطبقات وهي الصلبة والمشيمة والشبكة، ووصف كيفية تكونها وأنها مرتبطة بالدماغ وأغشيته، وله وصف دقيق لعدسة العين التي سماها الرطوبة الجليدية. وينسب لابن رشد المقولة الشهيرة: “من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيماناً بالله”. ولعالمنا نحو عشرين كتاب في الطب، منها ما هو تلخيصات لكتب الطبيب الإغريقي المتخصص في علم التشريح جالينوس وهي: الحميات، الأدوية المفردة، وحيلة البرء، ومنها ما هو مصنفاته الذاتية في هذا المجال وعلى رأسها كتاب (الكليات في الطب) الذي يعتبر موسوعة طبية في سبعة مجلدات تناولت التشريح والتشخيص وعلم التحليل ووظائف الأعضاء والعقاقير. وقد أعلن ابن رشد في مقدمة هذا الكتاب أنه “سيتحرى الأقاويل المطابقة للحق وإن خالف آراء أهل الصناعة” ويقصد هنا على وجه التحديد جالينوس. هذه العبارة تبين عبقريته الطبية فهو لم ينقل لنا مؤلفات طبيب الإغريق الأشهر، بل أنه تجاوزه بالنقد والتحليل، وزعزعت انتقاداته تلك عقول الأطباء الاوربيين في القرون الوسطى فجعلتهم يراجعون حساباتهم ويثورون على التقليد، حتى توصل عدد منهم إلى اكتشافات عم خيرها البشرية، ومن هؤلاء الطبيب الإنجليزي وليم هارفي مكتشف الدورة الدموية الكبرى في القرن الـ15 بعد 4 قرون من اكتشاف العالم العربي ابن النفيس للدورة الدموية الصغرى.

ولم تقتصر إسهامات أبن رشد الطبية على البحث والتأليف بل أنه دعم وساند علماء زمانه من المسلمين، ويذكر التاريخ أن ابن رشد قد أوعز إلى العالم ابن زهر أن يكتب مؤلفه الخطير (التيسير في المداواة والتدبير) الذي أورد فيه وصفاً تفصيلياً لبعض الأمراض وطريقة علاجها. ولابن رشد من المؤلفات والمقالات: الفحص، اتصال العقل بالأسنان، مسألة في نوائب الحمى، حميات العفن، الترياق، وهذه المؤلفات فاقت نظيراتها في العصور الوسطى وتعتبر حتى الآن مراجع طبية مهمة، إذ يدرس طلاب الطب في الغرب أجزاء منها في كلياتهم.

الفلسفة في حياته:

تمحورت حياة ابن رشد حول الفلسفة، فهو ناضل من أجلها إلى آخر يوم في حياته. وقبل الخوض في علاقة التأثر والتأثير بين ابن رشد والفلسفة نُعرج على بعض المعلومات الهامة، فالفلسفة كلمة يونانية تتألف من مقطعين فيلوس Philos أي محب وسوفيا Sophia أي حكمة ومعناهما مجتمعين: حب الحكمة، وقيل إن الإنسان بدأ يفكر منطقياً منذ أن ابتعد عن التفكير الأسطوري القديم ليستبدله بالتفكير الفلسفي، وهذا يعني أن الفلسفة مع المنطق والعقل ضد الخرافة، لذلك يقول المدافعون عنها: إنها أم العلوم، لاسيما وأن العصور السحيقة افتقدت للمتخصصين في جميع المجالات مما شكل أرضية خصبة ترعرع فيها الفلاسفة فأطلقوا العنان للتفكير والبحث في واقع الأشياء. وابن رشد المحب للعلم والحكمة لم تأته عبقريته من فراغ، فقد قيل إنه لم ينقطع عن القراءة يوماً إلا نهار وفاة أبية، وليلة زفافه، وهذا الإخلاص للعلم مكنه من تناول القضايا والمسائل بأسلوب سديد وتصور جديد، فهو حين أحس بتبلور أفكاره التقدمية لإصلاح المجتمع احتاج لأمير متنور يبارك هذا المشروع الطموح، فوجد ضالته في أمراء دولة الموحدين الذين ساد في زمانهم الاتجاه العقلي وتطهير العقائد من الخرافات، فقربوا منهم المُثقفين والفلاسفة، وكانت هذهِ الأجواء الإيمانية المتسامحة سبباً في بسط هيمنة الموحدين على أضخم إمبراطورية إسلامية في المغرب العربي قرابة 140 عام، فقد امتدت رقعة أرضهم من المحيط الأطلسي غرباً إلى حدود مصر شرقاً، ومن وسط إسبانيا (الأندلس) شمالاً إلى حدود السنغال جنوباً.

في تلك البيئة وجد ابن رشد نفسه، فكانت الانطلاقة مع أمير متعمق في القضايا الفكرية هو أبو يعقوب يوسف الذي آمن بأن المدرسة الأندلسية قد أنزلت الفلسفة من عليائها فسهلت على العامة فهم مقاصده. وبدهاء الساسة، رأى هذا الأمير أن يستفيد من الفلسفة ليجعل منها أداة للتغيير الإيجابي في النفوس، وتصدى ابن رشد لهذه المهمة، فشرح كتب أرسطو طاليس ليرفع القلق عن عباراتها ويقرب للعامة أغراضها، وللتاريخ فإن ما قام به ابن رشد لا يعد مجرد شروحات بل كان جهداً ذهنياً يقرب للإعجاز، فالمسافة الزمنية بين الفيلسوفين تناهز الألف عام، وهذا اقتضى من ابن رشد أن يسبر أعماق الفيلسوف الاغريقي الشهير ليفهم مآربه على قِدم أغراضها، ومن ثم يعود ويقدم دروس أرسطو بقالب عصري يتيح لأجيال زمانه ومن بعدهم فهم أفكاره. وبفضل كتابات ابن رشد عن أرسطو استطاعت أوروبا أن تنفض غبار عصور الظلام وأن تبدأ نهضتها الفكرية، وقد حفظت اللغة اللاتينية للأجيال التراث الرشدي، لترد الجميل إلى لغتنا العربية التي حفظت تراث الاغريق.

الدين والفلسفة:

آمن ابن رشد بأنّ الفلسفة وسيلة تقرب الإنسان من الله عز وجل، ويظهر ذلك جلي في تعريفه لها حين قال: “المصنوعات التي يصنعها الصانع تدل عليه، وكلما عرفنا الموجودات معرفة أتم تكون معرفتنا بصانعها أتم”، إذاً فالفلسفة بحسب ابن رشد هي التأمل والتبصر في المخلوقات لأخذ العبرة منها كونها دالة على الخالق سبحانه وتعالى، ولأجل ذلك يقول: “الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة”، وقد دافع ابن رشد عن الفلاسفة وآمن بأن الجمهورية الفاضلة هي دولة الخلفاء الراشدين، وبحكم عمله في القضاء وتعمقه في الشريعة الإسلامية اقتنع بأنه لا تناقض بين الدين والفلسفة، فالفلسفة تبحث عن حقيقة جاء بها الدين، ووضح ابن رشد فكرته فقال: “ذكر القرآن أن الله خلق الكون ولكنه لم يوضح كيف ومتى، وبهذا فإن الباب فتح على مصراعيه للفيلسوف ليستعمل العقل والمنطق للتعمق في هذه النقطة” وهذا يوضح وجهة نظره المتمثلة في أن التحليل الفلسفي لأمور الدين قمة التدين وليس منافيا لمفهومه، وإقراره بشرعية المنطق جاء من الآية الكريمة “واعتبروا يا أولي الأبصار”.

 

مؤلفاته الفلسفية:

ألف أبن رشد في الفلسفة العديد من الكتب منها (فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال) فعرض فيه نظريته في التوفيق بين الدين والعقل من الوجهة النظرية المحضة، وكتاب (الكشف عن مناهج الأدِلة في عقائد المِلة) الذي يعتبر في نظره التطبيق التفضيلي لنظرية الوفاق بين الدين الإسلامي والعقل، وعندما ألف العلامة أبو حامد الغزالي كتابه (تهافت الفلاسفة) وهاجم فيه الفلاسفة منتقدا انقسامهم والتفاوت فيما بينهم في البعد عن الحق والقرب منه، رد عليه ابن رشد بكتاب (تهافت التهافت) الذي واجه من خلاله حجج الغزالي بمنطق محكم، فبين أن ما قاله لا يمثل رأي ظاهر النصوص الدينية معتبراً الأمر تأويلاً خاطئاً. وشدد ابن رشد في كتبه على أن الفلسفة تشكل خطراً على من يأخذون بقشور الأفكار لأنها ستعرضهم لصراعات نفسية وفكرية تؤدي بهم إلى الشك والتشتت بدلاً من اليقين والتنور.

المنفى:

في أوج شهرته وعطاءه، رأى ابن رشد بأم عينيه جهد سنوات من العمل والتأليف يتلاشى في نار أضرمت لتلتهم نتاجه الفكري، وكانت صراحته سببا لهذا البغض والإقصاء، فاللاحقين من أمراء الموحدين لم ترق لهم أفكار ابن رشد واعتبروها نقداً مباشراً لمؤسسة الحكم.

وقعت تلك الأحداث في فترة الأمير المنصور فحين جاء من يقول له إن تعليقات ابن رشد على كتابات ارسطو عن استبداد حكام أثينا ما هي إلا إسقاطات على عهده وشخصه، تحرى الأمير موقف ابن رشد الناقد لسلطة الاستبداد أو مدينة الغلبة كما أسماها، وقرأ عبارته: “وحدانية التسلط شيء بين في أهل زماننا، ليس بالقول فحسب بل بالحس والمشاهدة” فلم يكن وهو أقل تنوراً من والده أبي يعقوب يحتاج إلى تحريض بعد هكذا عبارة، خصوصاً وأن الناقمين على أبي الوليد يتربصون به منذ أمد بعيد، فأصدر المنصور جملة من الأوامر أهمها القبض على ابن رشد، وحرق مؤلفاته، ونفيه إلى قرية أليسانة القريبة من قرطبة، وحظر الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدا الطب والفلك والحساب، ثم بعد حين نفى ابن رشد خارج الأندلس إلى مدينة مراكش في المغرب. وبعد أن شفى الأمير غليله عاد فرضي عن الشيخ الفيلسوف، وألحقه ببلاطة ولكن بعد دنوا الاجل، فقد توفي ابن رشد في مراكش عام 1198م عن عمر 73 عام.

كروية الأرض:

أولع أبن رشد بالكشف عن مجاهيل هذا الكون الواسع وحقيقة الأرض التي نعيش عليها ومكانتها بين النجوم والكواكب، فقرأ وتبحر في علوم السابقين حتى قال: إن حجم الأرض قياساً بما حولها صغير نسبياً، وله كتاباته في علم الفلك، ومن ذلك شرح تحليلي لكتاب السماء والعالم لأرسطو طاليس، ومقالة في حركة الفلك، كما أنه استقل بمشاهداته الخاصة لهذا الكون المترامي الأطراف، ففي إحدى رحلاته إلى المغرب شاهد في لحظة تأمل عجيبة نجوماً لم يكن يراها بالأندلس، فأجرى ذهنياً عمليات حسابية متشعبة وقياسات فلكية معقدة لا يمكن للعقل العادي أن يتخيلها فضلاً عن القيام بها، فقارن بين مشاهداته هنا وهناك، واستعمل ما لديه من أدوات يحتاجها وخلفية معرفية ومنطق حكيم حتى وصل إلى درجة اليقين بكروية الأرض وحركيتها مخالفاً بذلك القائلين بمركزيتها وثباتها.

اليقين المعلوم والمُكتشف المزعوم:

الحديث عن كروية الأرض ويقين ابن رشد بهذه المسألة يجر قسراً إلى حدث عالمي يعد الأهم على مر العصور وهو اكتشف القارتين الأمريكيتين، فمنذ ذلك التاريخ تحولت أنظار قيادات أوروبا السياسية إلى هذه الأراضي المكتشفة، فأرسلوا رعاياهم لاستيطان أجزائها الشرقية واستغلال ما فيها من ثروات، ومن ثم انطلق هؤلاء الدخلاء إلى العمق الأمريكي فارتكبوا أبشع عملية إبادة منظمة واستعباد مذل للجنس البشري، إذ لم يبقوا من السكان الأصليين الذين أسموهم الهنود الحمر سوى من يذكرهم بأشكال هؤلاء البؤساء أو من يحتاجونه لأعمال السخرة.

والبحار الإيطالي الأصل كريستوفر كولومبس الذي قاد رحلة الاكتشاف تلك، كان يريد الوصول إلى الهند عبر المحيط الأطلسي، فانطلق وبحارته من ميناء المدينة الأندلسية بالوس في حملة استكشافية مولتها ملكة إسبانيا إيزابيلا الأولى، وحين رست مراكبه على سواحل أمريكا ظن أنه وصل إلى قارة آسيا، وظل على ذلك الوهم إلى أن فارق الحياة، فمات وهو لا يعلم أنه اكتشف ثلث الكرة الأرضية، وأن هذه اليابسة سيستقر عليه قرابة المليار نسمة.

إعجاب كولومبس بابن رشد:

ذكر كولومبس في رسائله أنه كان مولعاً بأفكار ابن رشد عن كروية الأرض وما وراء المحيط من أراضٍ شاسعة فكان ذلك الدافع والمحفز له، ولولا قناعته بما أورده الجغرافيون العرب ومنهم البيروني والشريف الإدريسي عن جزر هذا البحر وإمكانية عبوره واتصاله بأراضي الصين لما أقدم على المجازفة بحياته. والمؤسف هنا أن المؤرخين الغربيين عن جهل أو تجاهل لم يذكروا أن العديد من البحارة المسلمين قد وصلوا إلى القارتين قبل ولادة كولومبس بقرون، فالكثير من الكتب تناولت قصص المغامرين العرب الذين عبروا بحر الظلمات أو المحيط الأطلسي كما هو حالياً فوصلوا إلى العالم الجديد، منهم من عاد ليروي ما رآه كالفتية المغررين وهم ثمانية شباب ينتمون إلى عائلة عربية عاشت في لشبونة، ومنهم من استقر بهدف إعمار الأرض ونشر الدين الإسلامي الحنيف بين شعوب الآزتيك والانكا والمايا الذين سادت حضاراتهم الأمريكيتين في أيام خلت، حتى كولومبس نفسه اعترف في مذكراته (يوميات الرحلة الأولى) أنه عندما وصل إلى أراضي كوبا عام 1492م شاهد على قمة أحد الجبال أطلال بناءٍ له مثل الأبراج، وحينما اقترب صعق من هول المفاجأة، فالبناء لم يكن إلا مسجداً عتيقاً والأبراج مآذنه الشامخة، وازداد يقينه بعد دخوله المكان إذ وجد نقوشاً إسلامية وكتابات عربية فلم يُجهد نفسه بالتفكير في هوية المستكشفين الأصليين وهو من بدأ رحلته الشهيرة من بلاد دام حكم المسلمين فيها ثمانية قرون. لقد كان من الإنصاف ألا يمنح شرف هذا الاكتشاف العظيم إلى كولومبس ومساعده أمريغو الذي أعلن للعالم بعد وفاة رئيسه أنه أكمل المغامرة فاكتشف العالم الجديد لتسمى الأمريكيتين باسمه، فمن المؤكد أن كولومبس الذي بدأ رحلته من الأندلس بعد القضاء على الحكم الإسلامي فيها استفاد وغيره من وثائق العلماء المسلمين وخرائطهم بعدما سطا عليها الإسبان.

رحم الله ابن رشد وعلماء المسلمين الأجلاء والمغامرين الأوائل، فهم من اكتشف العالم الجديد، وهم من أثبت كروية الأرض وضرورة امتدادها حتى طرفها الآخر، فمن غير المعقول، بحسب ما قال بعضهم، أن يكون أحد سطحي الكرة يابسة بالكامل، بينما يغطِّي الماء الجانب الآخر، لأن ذلك سيؤدي حتما إلى اختلال توازن الأرض واستحالة انتظام دورانها.

لا توجد تعليقات
825 مشاهدة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *