الجمعة - 4 ذو القعدة 1438 هـ , 28 يوليو 2017 م - اخر تحديث: 01 يناير 2016 الساعة 09:59 ص
الرئيسية الحصاد ثاني رؤساء الهيئة الملكية الأمير عبدالله بن فيصل: مستقبل الصناعة مبشر بالخير

في أول لقاء بعد تعيينه سفيرا للرياض لدى واشنطن

ثاني رؤساء الهيئة الملكية الأمير عبدالله بن فيصل: مستقبل الصناعة مبشر بالخير

خلال الحوار مع سموه (1)
أجرى اللقاء - رئيس التحرير

يعد من جيل الرواد الذين درسوا خارج المملكة في حقبة الستينيات الميلادية، تخرج من جامعة نوتنجهام بالمملكة المتحدة، ثم عمل بالهيئة الملكية للجبيل وينبع في بداياتها، ليتدرج في المناصب الإدارية حتى تقلد رئاستها، عمل جنبا إلى جنب مع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود عندما كان – يرحمه الله – رئيسا لمجلس إدارة الهيئة الملكية، فعاصر إنشاء مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين، وواجه العديد من التحديات أبرزها أزمة الخليج الثانية وتقليص ميزانية الهيئة، إنه باختصار صاحب السمو الأمير/ عبدالله بن فيصل بن تركي العبدالله آل سعود سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة الأمريكية والرئيس الأسبق للهيئة الملكية للجبيل وينبع الذي تشرفت صحيفة (جبين) الالكترونية باستضافته ليروي لقرائها بعضا من ذكرياته أثناء فترة عمله مع الهيئة الملكية..

  • تتمتع القيادة السعودية ببعد النظر ولعل إنشاء الهيئة الملكية للجبيل وينبع أحد الشواهد على ذلك، نود أن يتلطف سموكم بالحديث عن قصة إنشاء هذا الكيان العملاق من حيث الفكرة؟كانت لدى الحكومة العديد من الأفكار لوقف حرق وإهدار الغاز والاستفادة من قيمته المضافة في أعمال صناعية متقدمة، ثم تبلورت فكرة إنشاء الجبيل وينبع الصناعيتين بحيث تتولى وزارة الصناعة تصنيع البتروكيماويات وتتولى شركة بترومين مسؤولية عملية تجميع الغاز، وتم بحمد لله إنشاء الهيئة الملكية للجبيل وينبع، كما بدأ العمل أيضا على تجميع الغاز من قبل شركة أرامكو السعودية.وعند حديثنا عن الصناعات الأساسية فإن الفكرة ولدت من رحم مركز أبحاث التنمية الاقتصادية المنبثق من وزارة الصناعة والكهرباء، فلقد تمكن الدكتور غازي القصيبي – رحمه الله – مع زملائه في المركز بتقديم فكرة رائدة تمثلت فيما بعد بإنشاء شركة سابك، والحقيقة أنه لا يوجد في الدول النامية من أتى بفكرة مماثلة من قبل، إذ كانت حصة الشركات العالمية العملاقة من الشركة 50%، في حين كانت الدول النامية الأخرى تُستغل من قبل الكيانات العالمية الكبرى إذا أرادت تنفيذ برامج تنموية طموحة. تحقيق الحلم

  • والواقع يشير إلى أن قرار إنشاء الهيئة الملكية للجبيل وينبع كان خطوة شجاعة جدا عطفا على قلة الإمكانيات المادية والبشرية، وقد التزمت الدولة بوضع برنامج لإنشاء البنى التحتية في المدينتين وتوفير الخدمات للصناعيين والمستثمرين، وكنا نسابق الزمن لتنفيذ تلك الخطة.

  • في عام 1395ه / 1975م وضمن خطة التنمية الثانية، صدر الأمر السامي بإنشاء الهيئة الملكية للجبيل وينبع بهدف تقليل الاعتماد على تصدير الزيت الخام كمصدر رئيسي للدخل الوطني، وإنشاء اقتصاد متنوع يستند إلى موارد البلاد الهيدروكربونية، هذا المشروع الطموح قوبل بالتشكيك في جدواه خاصة من قبل بعض وسائل الإعلام الغربية، واليوم الإنجازات والأرقام تتحدث عن نفسها، كيف واجهتم ذلك التشكيك، وكيف أمكن لدولة مثل المملكة لا تمتلك الخبرة العملية والصناعية في ذلك الوقت أن تحقق ما يشبه المعجزة؟إنني حينما أسرد مثل هذه الوقائع وأعلق عليها فليس ذلك بسبب عدم تقبلنا للنقد، وإنما لأن نقد هؤلاء لم يكن هادفا ولم يكن موضوعيا وإلا لكنا رحبنا بآرائهم، فالذي تحقق لم يكن أبدا بسبب توفر الإمكانات المالية على أهميتها، فالمال لا يتوفر دائما، إن الذي تحقق كان وراءه شيء أكبر من ذلك تمثل في تحمل المسؤولية والالتزام والنية الصادقة والمجهود البشري والعزيمة والإصرار، كلها كانت عوامل أساسية ساهمت في تحقيق هذا النجاح الباهر.

  • بالفعل كان هناك تشكيك، وهنا لا أنسى بأننا حينما كنا نعرض هذا المشروع في المؤتمرات الدولية، كان بعض الحضور وربما لأسباب سياسية مرتبطة بدولهم، يتهكمون على المملكة بحجة أنها بلاد “متأخرة” حسب وصفهم، وأنها، أي المملكة، تظن أن بإمكانها فعل أي شيء بالمال فقط، وأتذكر أن هناك وزيرا من دولة غير بعيدة كان ينتقد المشروع والمملكة ويصفق بحرارة لمن يوافقونه الرأي، ومن المفارقات العجيبة أن أحد الإخوة انتقد المملكة بحدة على التفكير بمشروع بهذا الحجم، وبعدها بسنوات وجدته يعمل مستشاراً لبعض الأنشطة الاستثمارية في الجبيل وينبع إذ كان تخصصه في مجال البتروكيمياويات.

  • إذاً كيف يفسر سموكم ما حدث، كيف أمكن للمملكة أن تحقق هذا النجاح وهي لا تمتلك الخبرة الكافية؟ وهنا أود أن أشيد بالدور الهام والكبير لمقاول الخدمات الهندسية والفنية والإدارية والذي عمل على تسهيل المهمة وجلب الاستثمارات، إلى درجة أن بعض المستثمرين كان يحدد لنا فقط نوع المنتج والطاقة الإنتاجية، ونتكفل نحن على الفور بتقديم المعلومات الكاملة والشرح التفصيلي لما يحتاجه المصنع المزمع إنشاؤه من خدمات وغيره، مما وفر على المستثمرين تكاليف الإنشاء وقلل وقت الإنجاز.

  • الادارة الشاملة

  • إن حركة العمل الدؤوبة التي عشناها في تلك الأيام وضخامة هذا المشروع قد لا يدركها الكثيرون، فعلى سبيل المثال كنا نأتي بالمصانع جاهزة عبر بواخر من الشرق الأقصى، فيتم إنزالها بأكبر رافعة في العالم والتي تزن حوالي 2600طن، ثم توضع على ناقلات المركبات الفضائية العملاقة لتنقل إلى مواقعها، وهناك يتم تفكيك تلك الناقلات لوضع المصانع ثم تركب من جديد.

  • لقد تم هذا الأمر أولا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، ثم من خلال الدعم الكبير من قبل الدولة، إذ كان المسؤولون متفهمين لفكرة إنشاء الهيئة الملكية للجبيل وينبع وضرورة استقلاليتها، وكانت التعليمات التي لدينا بأن نأتي بأفضل التطبيقات والممارسات، ليس في المعدات والخبرات وحسب، بل في المتطلبات الأخرى التي من شأنها أن تسرع في إنجاز المشاريع.

  • حظيت الهيئة الملكية بدعم ملكي لا حدود له، وباعتباركم أحد شهود المرحلة حينما تشرفتم بالعمل جنبا الى جنب مع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمه الله – مع بدايات تأسيس الهيئة حيث كان التحدي كبيرا، هل لكم أن تنقلوا ن لنا ذكريات تلك المرحلة؟إن ذكريات تلك الفترة عديدة وقد لا يسمح الوقت بترديدها كلها ولكن من المواضيع التي قد لا يعلم عنها الكثيرون أيضا الدور الهام الذي لعبه موضوع تشييد مساكن العمال في إنجاح المشروع.

  • أولاً لا أستطيع أن أضع نفسي بجانب الملك فهد، وما حدث أنه يرحمه الله آمن بفكرة إنشاء جهاز منفصل إداريا يكون مسؤولا عن كل شيء في المدينتين، مع العلم أن ميزانية الهيئة الملكية تخصص كل سنة مثل باقي القطاعات، ولن أنسى دعم الملك فهد لنا في مشروع تبريد المصانع بمياه البحر، في الوقت الذي كان فيه ثلثا مجلس الوزراء ضد الفكرة لأنها مكلفة، لكنه يرحمه الله راهن على نجاحها وهذا ما حدث، فوفرت علينا الكثير والكثير خاصة من الناحيتين الاقتصادية والفنية، كما أنها كانت فكرة جديدة ورائدة في وقتها، رغم التحديات التي واجهناها.

  • كيف أسهمت مساكن العمال في مسيرة النجاح؟وهناك قصة طريفة حدثت معي مع أحد الصحفيين الأجانب الذي زارني في منزلي، وبعدها ذهب إلى الجبيل ومن ضمن ما رأى كان سكن العمال، فاتصل بي وقال: لا أستطيع يا سمو الأمير أن أضع في تقريري مقارنة بين بيتكم وسكن العمال بالجبيل. فقلت لماذا؟ فقال: لأن من سيقرأه سيظن أنني أخذت رشوة من السعوديين.

  • لقد كانت همة العمال عالية مما انعكس إيجابا على سرعة إنجاز المشاريع، ونتيجة لذلك تمكنا ولله الحمد من توفير السكن والإعاشة الملائمين لهؤلاء العمال، لقد كانت قمة الإنسانية من الملك فهد يرحمه الله.

  • أتذكر أن الملك فهد أمر بتوفير سكن عالي المستوى للعمال، فلقد تنبه يرحمه الله إلى شيء لم يتنبه له الآخرون، وهو ضرورة توفير أفضل أنواع الرعاية لهم، وبذلك فرضت الهيئة الملكية على المقاولين مستوى معينا من الإعاشة للعمال، وبسبب ذلك سارع هؤلاء العمال في إنجاز المشاريع العملاقة في المدينتين.

  • هل تتذكرون سموكم مواقف أخرى للملك فهد يرحمه الله؟

  • نعم، كان هناك مشروع كبير سيعطى لمقاول واحد بسبب خبرته الطويلة، فعرض الأمر على الملك فهد وعرف أن المشروع يمكن إنجازه عبر عدة مقاولين، فأمر بتوزيع العمل على عشر شركات لتعم الفائدة، وللمعلومة كانت المشاريع العملاقة تعرض عليه بحكم أنه رئيس مجلس إدارة الهيئة الملكية وليس بسبب كونه ملك البلاد.

  • عرف عن الملك فهد أنه كان يقف بنفسه على المشاريع العملاقة في مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين، وكان يرحمه الله يقيم في مساكن بسيطة لا تليق بملك لمدة أسبوع أو أكثر، ما الذي علق بذاكرة سموكم من تلك المرحلة؟

  • فعلاً، كان سكن كبار الشخصيات بسيطا جدا، وكان يرحمه الله يسكن فيه ويتابع سير العمل، إذ إن لديه الخبرة والدراية في المشاريع الإنشائية، حتى في حياته الخاصة، وأذكر أنه ذات مرة اطلع على مخطط منزل خاص بأحد أبنائه فأمره أن يجلس مع المهندس لينقل له التعديلات التي اقترحها وكانت في محلها.

  • استمراراً لنهج الملك فهد، قاد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله – يرحمه الله – المسيرة من جديد وذلك عبر الجبيل2 وينبع2، إضافة إلى مدينة رأس الخير، كيف رأيتم تأثير ذلك على الصناعة والاقتصاد في المملكة بشكل عام وتأثيره على مسيرة الهيئة الملكية على وجه الخصوص؟أما الجبيل2 وينبع2 ورأس الخير فكلها مشاريع خير، وأود هنا أن أؤكد على ضرورة وضع أسس لتتمكن المشاريع من التوسع، لقد تعلمنا من الخبراء الاقتصاديين أن المشاريع يقاس نجاحها بمردودها الذي تنعكس فائدته على جميع المستويات بما فيها المتوسطة والصغيرة، وما قامت به الهيئة الملكية مع أرامكو وسابك والآخرين كان له مردوده، ولكننا مازلنا في انتظار المزيد.احداث ساخنة

  • لقد ادرك الملك عبدالله رحمه الله أدرك ومنذ وقت مبكر أهمية الهيئة الملكية وتأثيرها على الاقتصاد الوطني، وتلك حقيقة، فالقطاع الخاص في المملكة استفاد من الجبيل وينبع الصناعيتين مدة عشر سنوات وقت انخفاض أسعار البترول، إذ كانت الهيئة الملكية الجهة الوحيدة تقريباً التي تعطي مشاريعها للمقاولين.

  • سمو السفير، شهدت المنطقة خلال فترة عملكم العديد من الأحداث الساخنة، ولعل التحدي الأكبر والأخطر تمثل في حرب الخليج الثانية، وهو العام الذي تسلمتم فيه مقاليد إدارة الهيئة، تلك الحرب أفرزت العديد من التحديات وتطلبت اتخاذ العديد من القرارات داخل الهيئة لاستمرار دوران عجلة الإنتاج، هل لكم أن تحدثونا عن تلك الفترة وكيف أمكن التغلب على التحديات خاصة فيما يتعلق بموضوع البيئة، وما هي أصعب القرارات التي كان عليكم اتخاذها؟وحينما بدأت الحرب كان علينا التعامل مع صواريخ “سكود” التي كان يطلقها النظام العراقي نحو المملكة خاصة وأن ما يسمى “بالأماكن الآمنة” التي يحتمى بها السكان حين التعرض للقصف كانت شحيحة، وكانت عبارة عن مستودعات ومواقف للسيارات.وحينما نتحدث عن التحديات التي واجهت الهيئة والبلاد في تلك الفترة نضع نصب أعيننا طبيعة النشاط الصناعي للهيئة، فلقد كان من المنطقي وضع تأمين المواد البتروكيماوية القابلة للانفجار على رأس الأولويات، وعليه اتفقنا مع شركة سابك على استئجار بواخر كانت موجودة في مملكة البحرين ومخصصة لنقل مثل تلك المواد، إلا أن أصحابها رفضوا طلبنا للاستئجار بحجة انتشار الألغام البحرية في الخليج مما سيحملهم تكلفة التأمين العالي في حال تضررت بواخرهم.التحدي الآخر تمثل في بقعة الزيت خاصة وأننا لم نكن نمتلك التجهيزات والخبرة الكافية. كما قوبلنا بعدم تجاوب من جهات أخرى حاولنا الاستعانة بها، إلا أننا ورغم كل تلك الظروف وبفضل من الله تعالى تغلبنا عليها.

  • اليوم وأنا أستعرض معكم شريط الذكريات لا أملك إلا أن أشكر القيادة الرشيدة التي حرصت على أرواح الناس وحمت مصالحهم، كما أود أن أشيد بالتزام القوات الدولية، والتي رغم وجود الآلاف من جنودهم في تلك المنطقة لم تحدث أو تسجل أية مشاكل بينهم أو مع المواطنين.

  • وأذكر هنا أنني اتصلت بصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز يرحمه الله، فوعدني بأنه سيعمل على حل مشكلة التأمين من خلال التعاون مع الحكومة البحرينية لإقناع ملاك تلك البواخر بالتوجه إلى الجبيل، وفعلاً استطعنا بفضل الله ثم بجهود الأمير سلطان وتعاون الحكومة البحرينية أن نحل مشكلة التأمين، كما عملنا على توفير كاسحات ألغام لتسهيل مهمة البواخر، وبذلك تجاوزنا أزمة خطيرة، إذ إن انفجار المواد البتروكيماوية كان سيؤثر على المنطقة الشرقية ككل، وليس الجبيل فقط.

  • ورغم صعوبة تلك الفترة فإن عجلة الإنتاج لم تتوقف حتى مع حدوث بعض المواقف الغريبة، ففي أحد الأيام هاجم أفراد من القوات الدولية عن طريق الخطأ بعض الزملاء معتقدين أنهم عناصر متسللة، لكننا استمرينا في أداء عملنا اليومي بشكل طبيعي.

  • عندما جاءت القوات الدولية إلى الجبيل في شهر أغسطس من عام 1990م أسكنا البعض منهم في مقر العمال والبعض الآخر لم يتوفر له سكن، ومع الجنود وفدت إلينا المستشفيات المتنقلة التي حينما شاهدتها أثناء تجولي مع بعض سفراء الدول المشاركة، تداعت في ذهني صور وأهوال الحروب، وخشيت أن نشهد اليوم الذي تمتلئ فيه تلك المستشفيات بالجرحى والمصابين، ولكن ذلك لم يتم ولله الحمد.

  • من المشاكل التي واجهتموها في أزمة الخليج هروب العمالة، هل تحدثوننا عنها؟وهناك جنسيات هربت بالكلية من المملكة وجنسيات أخرى كان رعاياها يغادرون الجبيل مساء إلى الخبر وفي الصباح يعودون إلى العمل في الجبيل، وقد اضطررنا إزاء هذا الوضع إلى رفع قيمة التأمين إلا أن ذلك لم يكن كافيا، بل إن بعضهم ابتزنا عندما قللنا من قيمة التأمين بعد انتهاء الحرب، وكانت حجتهم أن الخطر لا يزال قائماً، وكنا سنستغني عن خدماتهم لولا أنهم رضخوا بعدما أقنعتهم حكوماتهم بالبقاء.المستقبل

  • مع الأسف وقعت العديد من المشكلات من هذا النوع، وأذكر أنني ذهبت إلى مجموعة من العمال لأطمئنهم على الأوضاع فتناولت معهم الغداء في مطعمهم، إلا أنهم رحلوا في اليوم التالي، وعندما تقصيت عن الموضوع اكتشفت أن المشرف عليهم وهو من دولة أيدت غزو الكويت أقنعهم وملاك الشركة بترك الجبيل الصناعية.

  • أربعون عاماً مضت على إنشاء الهيئة الملكية فهل ترون أن المنجزات بلغت سقف التوقعات، وما هي تطلعات سموكم نحو هذا الجهاز العملاق، وكيف تنظرون إلى مستقبل الصناعة في المملكة؟وأرى أن مستقبل الصناعة بالمملكة مبشر بالخير، فالحكومة في عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – نصره الله – تمكنت من إجراء الكثير من الإصلاحات الاقتصادية، وأرى أن المملكة قادرة بحول الله على كبح عجز ميزانيتها وسنرى ذلك عما قريب عندما تتضح النتائج الإيجابية لتلك الإصلاحات.

  • بلا شك أن تجربة الهيئة الملكية في إنشاء البنى التحتية وإدارة المدن الصناعية وجلب الاستثمارات تعد تجربة رائدة، وأنا سعيد جدا بتوسع أعمال الهيئة وضم رأس الخير، وهنا أنوه إلى أمر كنت أود أن يتم تطبيقه، فقد سعيت أثناء فترة عملي كمحافظ للهيئة العامة للاستثمار إلى جعل وظائف هذا القطاع لا تتبع لوزارة الخدمة المدنية، أي أن تعمل بنظام الشركات، فذلك يتمشى مع متطلبات السوق ويتواكب مع ما هو مطبق عالميا، كنت أرغب أن تكون الحركة الاقتصادية غير مرتبطة بقطاع حكومي معين، ليس حبا في الخصخصة، ولكن لكي تسهل الإجراءات ولا تتأخر لدى الإدارات الحكومية.

  • خلال مسيرة عملكم بالهيئة الملكية واجهتم العديد من العقبات واستفدتم من دروس كثيرة؟ ما الذي بقي في ذاكرة سموكم من تلك الأمور؟هناك أيضاً موقف مؤثر لن أنساه، فعندما تم تفجير خزان شركة صدف في عملية إرهابية، تطوع الجميع من جميع الجنسيات ومختلف الديانات للتخفيف من حدة الاشتعال، ورأيت بعيني كيف عمل هذا الجمع على جعل المضخات ترفع من مستوى السائل ليتبخر عند الفتحة التي أحدثها الانفجار، وأذكر أنه من هول الموقف طلب منا أحد المتطوعين “كتابة وصايانا” فقد كنا على بعد مائة متر من الخزان المشتعل.

  • لا أنسى الأيام العصيبة التي أعقبت أزمة الخليج عندما تم تقليص ميزانية الهيئة الملكية إلى أقل من نصف ميزانيتها السابقة، كنت أخشى أن يتوقف العمل في الجبيل وينبع تماما، ولكن ولله الحمد تضافرت جهودنا وتمكنا من المضي قدما في عملية البناء.

  • سمو السفير.. ما هو الشيء الذي كنت تود أو تتمني تحقيقه وأنت في الهيئة الملكية، ولكن لم تسعفك الظروف أو الوقت لبلوغه؟

  • اثناء فترة عملي في الهيئة الملكية كنت أود رؤية مرونة أكثر من بعض الجهات الحكومية عند تعاطيها مع الشأن الصناعي والاقتصادي، والحقيقة أنني عانيت بسبب رفض العديد من المقترحات التي كنت أرفعها، ولكنني ولله الحمد رأيت الكثير من التقدم والتطور والإيجابية، ويكفي تأسيس شركة مرافق التي كانت حلما بالنسبة لي، إذ كافحت من أجل إقناع المسؤولين بفكرة إنشائها، وتخلل تلك المرحلة العديد من الاجتماعات والمباحثات والمفاوضات. كما حاولت أيضاً وأتمنى فتح المجال لمساهمة المرأة في عمل الهيئة من خلال بعض الأعمال المساندة كالطباعة والتغليف وغيرها. ومع ذلك إلا إنني مستبشر بالخير.. فأنا على يقين بأن عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – يحفظه الله – سيشهد المزيد من الإصلاحات التي سيستفيد منها المواطن السعودي.

  • التقيتم بالعديد من الزعماء العالميين سواء في مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين أو خارجهما، هل تذكرون لنا بعضا مما تم أثناء زيارات أولئك الزعماء؟خلال تلك الزيارة وقعت بعض الأمور الطريفة أتذكر منها سلامه على الحاضرين في إحدى الفعاليات في مركز الملك فيصل بالرياض مرتين، إذ كان خارجا لتوه من عملية جراحية في العين ولم يتمكن من معرفة الأشخاص الذين سلم عليهم في المرة الأولى، وفي نهاية الزيارة قمت بتسليمه حوالي 200 صورة مع عدد من الشخصيات السعودية التي التقاها أثناء زيارته، وطلبت منه أن ينتقي بعضها ليوقع عليها لتقدم كإهداءات لتلك الشخصيات، وبعد مرور فترة عدت إليه فوجدته قد وقع على جميع الصور.

  • ومن نيلسون مانديلا إلى زيارة مختلفة من قبل عضو في الكونجرس الأمريكي معروف بمواقفه المعادية للعرب، وقد اضطرت الدولة إلى استضافته كونه جاء بتكليف رسمي من حكومته، وكان الغرض من قدومه زيارة حفر الباطن للوقوف على ما أنجزه سلاح المهندسين الأمريكي في المدينة العسكرية، وفي أثناء الرحلة وعندما كنا في الاستراحة المعدة للضيوف غفلت عنه للحظات فلم أجده، وبحثت عنه فوجدته تحت كرسي، فأفزعني المشهد وظننت أنه يختبئ من شيء، وتبادر إلى ذهني أن الرجل توقع هجوما مباغتا وإطلاقا للرصاص أو حدوث انفجار في المكان، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، وعلمت بعدها أن الرجل هاو للتحف الفنية وأثارت انتباهه قطع أثاث صنعت بدقة عالية، فما كان منه إلا أن ضرب بالبرتوكول عرض الحائط وجثا على ركبتيه بحثا عن هوايته في اقتناء التحف.

  • يعد الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا من الشخصيات الدولية التي تثير الكثير من الاحترام والإعجاب، ولقد كلفت في عام 1994م بمرافقته أثناء زيارته للمملكة، فعرفته عن قرب، وأستطيع أن أضيف لصفاته العديدة صفة (الطيبة) التي كان يتمتع بها هذا الرجل.

  • ننتقل سمو الأمير إلى الأسئلة الشخصية، في عام 1977 التحقتم بالهيئة الملكية للجبيل وينبع بعد إنهاء دراساتكم الجامعية في المملكة المتحدة وتخصصتم في الهندسة، هل لسموكم أن يحدثنا بداية عن سبب اختيار دراسة الهندسة، ومن ثم اختياركم للعمل في الهيئة الوليدة آنذاك، وما هي الوظيفة الأولى التي تقلدتموها، وهل كانت مختلفة عن توقعاتكم؟أما بالنسبة للعمل في الهيئة الملكية فلم أكن أنا من اخترته بل نظام العمل المطبق لدينا هو من اختارني، فعندما قدمت أوراقي إلى ديوان الخدمة المدينة قبل أن يصبح وزارة، حولني النظام للعمل في الهيئة، وكانت أول وظيفة تقلدتها في الإدارة الفنية ثم انتقلت بعدها إلى الأمن الصناعي بعدما تم اكتشاف مخطط إرهابي يستهدف المنشآت الحيوية، وقد كان صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز يرحمه الله قد وجه بتعيين مسؤولين عن الأمن في القطاعات الصناعية والاقتصادية، واستمررت لفترة في تلك الوظيفة إلى تم تعييني أمينا عاما بالنيابة عام 1405هـ..الشباب

  • في الواقع أن والدي كان يريدني أن أدرس الهندسة، فاصطحبني إلى بريطانيا في الستينات الميلادية في رحلة كنت أظنها لقضاء العطلة، لكنني تفاجأت به وهو يعهد بي لدى عائلة بريطانية ويقول لي: “اقض معهم هذه الليلة فأنا ذاهب إلى لندن وسأعود في الغد”. إلا أنه عاد إلى المملكة واضطرت أنا للمكوث مع تلك العائلة ولم نتمكن من التفاهم إلا بعد مرور فترة وبعدها بدأ مشواري الدراسي في المملكة المتحدة.

  • سمو الأمير ونحن نستشرف المستقبل نريد منكم تقديم بعض النصائح للشباب القادم لمعترك الحياة؟وعلى الشباب الاستفادة من قصص النجاح في بلادنا لكي يستلهموا منها الدروس والعبر، وها هي الجبيل وينبع الصناعيتين أمامكم، وأقول لهم إن الحكومة داعمة لكم، إذ إنها فتحت باب الابتعاث منذ الخمسينات والستينات وذلك رغبة منها بأن تتبوأ المملكة مكانة عالمية مرموقة بين الدول.

  • كما أتمنى من الشباب الاستفادة من الأجهزة التقنية الحديثة دون أن تكون فقط إهدارا ومضيعة للوقت، وإذا ما قدر لهم الاحتكاك بالثقافات الأجنبية فعليهم أن يأخذوا منها القيم المفيدة كالالتزام بالنظام والحرص على القراءة والجد وحب العمل، لأن تلك القيم تنعكس بالإيجاب على البلد واقتصادها.

  • الشباب هم عماد المجتمع وقوته، والقوة تأتي من الكدح والعمل وتعلم ما هو مفيد، وعلينا أن نبادر ونبدأ حتى ولو في الأعمال الصغيرة، فكثيرون بدأوا صغارا ثم كبروا وبعدها أصبح القطاع الخاص يتهافت عليهم.

  • سمو السفير، في ختام هذا الحوار أود أن توجهوا كلمة لمن عاصرتموهم في الهيئة الملكية؟

  • أقول لهم إنني أعتز بمعرفتكم وأنا مقصر في حقكم، وما زلت أتذكر وجوهكم السمحة، ولقد قدمتم خدمات جليلة لبلادكم من خلال عملكم في الهيئة الملكية. كما أن الشكر موصول لمجلة “جبين” على استضافتي في هذا الحوار.

تعليق واحد
2695 مشاهدة

تعليق واحد

  1. ابراهيم الغامدي

    لقاء رائع جدا يحمل بطياته تاريخ ماضي وحاضر ومستقبل

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *