الجمعة - 4 ذو القعدة 1438 هـ , 28 يوليو 2017 م - اخر تحديث: 17 فبراير 2016 الساعة 09:17 ص
الرئيسية الواحة شيخ الكيميائيين.. جابر بن حيان

شيخ الكيميائيين.. جابر بن حيان

شيخ الكيمائيين
فيصل الدوخي - الرياض

شابت الكيمياء في أزمنة غابرة تعاليم مستمدة من خرافات وأساطير لا تمت إلى التجربة العلمية المحضة بصلة، فالكيميائيون الأوائل صرفوا جهدهم وأهدروا وقتهم بغية اكتشاف إكسير الحياة وأحجار الحكمة التي ظنوا زاعمين أنها تزيل علل البشر وتطيل العمر، وقد سرد مؤرخو العلوم حكايات الكيميائيين القدامى الذين نقلوا ما خبروه عن الكيمياء دون تجربة أو مشاهدة وكأنها روايات شعبية، حتى جاء جابر بن حيان فأكسب الكيمياء والكيميائيين الاحترام.

يُتم وفقر:

جابر بن حيان بن عبدالله الأزدي، رائد الكيمياء المعروف وواضع أسسها الحديثة، ولد على الأغلب عام 101هـ721م ورجح بعض المؤرخين طوس في بلاد خراسان مقرا لولادته.

استقر والده بالكوفة وعمل فيها عطارا، ثم ما لبث أن نشط سياسيا، فنادى بخلافة بني العباس. وفي أيام طفولة ابنه جابر ترك الأب دكان العطارة فخرج إلى مسقط رأسه في مهمة سرية كانت سبباً لتصفيته إثر الخلافات المتأججة بين الأمويين والعباسيين، وبعد تلك الأحداث انتقل جابر اليتيم إلى الجزيرة العربية وهو لم يرث من والده إلا حب الكيمياء والافتتان بالسياسة، فدرس هناك القرآن الكريم والرياضيات عند رجل يقال له حرب الحميري.

أول كيميائي مسلم:

نشأ علم الكيمياء عند المسلمين على يد خالد بن يزيد الأموي الذي ساقته أقداره إلى هذه الصنعة، مؤثراً مجدها العلمي على صيت الإمارة  إذ كان منشغلا أول أمره في البحث عن السلطة.

وقد استغل خالد هذا، وهو حفيد معاوية بن أبي سفيان، وجاهته ومكانته الاجتماعية في استقطاب صفوة علماء الإسكندرية المشتغلين بالكيمياء، فدرس على أيديهم هذا العلم، وحين أتقن الأمير الصنعة أمر بنقل ما كتب عنها إلى العربية، وهذه أول عملية ترجمة للعلوم قام بها العرب.

بروز مبكر:

عُرف عن جابر ابن حيان شغفه بالكيمياء فنبغ فيها منذ وقت مبكر، ويعود الفضل إلى والده الذي كان بمثابة صيدلي مما هيأ البيئة لجابر كي يبرع في استخلاص الادوية من الاعشاب، وقد جاءته فرصة البروز الأولى أمام أستاذه ونفر من أصدقائه، فعندما طلب منه هذا المعلم أن يبتكر نوعاً من الورق لا يحترق، دخل الشاب إلى معمله، وجهز مواده الكيميائية، وأجرى تجاربه المختبرية، فوضع الأوراق في المحاليل، وصب عليها خليطاً من سوائل ابتكرها، ثم علق تلك الأوراق حتى جفت، وبعد عدة محاولات تحقق الهدف، فجمع الأوراق في كتاب ونقل عليها أحد المؤلفات، ثم ذهب إلى أستاذه وباقي التلاميذ وهم يتسامرون حول نار ، ورمى الكتب في اللهب فلم يمسه ضر.. حينها صدق الجميع هذا الشاب وصادقوا على نبوغه.

العناصر الأربعة:

أحدث جابر بن حيان تغييرا جذريا في علم الكيمياء عندما أجرى دراسته العلمية على العناصر الأربعة التي شغلت السابقين فكرة تحويلها، فقد ساد في الحضارات القديمة فكرة تحويل المعادن، لاعتقادهم بأن الذهب والفضة والنحاس والحديد من عائلة واحدة، وأن الاختلاف فيما بينها نابع من تأثيرات الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة وهي قوام تلك العناصر (النار، الهواء، الماء، التراب). تلك الأوهام شغلت الكيميائيين الأوائل عن جوهر الكيمياء إذ ظنوا أن بمقدورهم تحويل المعادن الرخيصة إلى أخرى نفيسة بإضافة مادة الإكسير التي لم يكتشفوها أصلاً .. ومن هنا اكتسبت الكيمياء سمعتها السيئة واعتبرت أعمالها من ضروب السحر وأعمال الشياطين. وجابر ابن حيان ألصقت به تهمة السحر بعدما احتال على مسألة التحويل، فهو تمكن فعلا من تحويل المعادن إلى ذهب ولكن بطريقة مبتكرة اعتمدت على تلبيس المعدن بطبقة رقيقة من الذهب، وثبتت عليه التهمة بعدما جعل الارتباط وثيقا بين تلك المعادن وما يحيط بها من طبقات نفيسة، فطريقة الفصل بينهما صعبة ومعقدة ولا يعرفها سواه، وكل ما وصلنا عنها إنها تتم باستخدام ماء الذهب.

كنوزا من المعرفة:

حين أجرى ابن حيان دراساته العلمية لفك لغز العناصر الأربعة توصل إلى أهم الإنجازات التي سجلت باسمه، حيث وضع المنهج العلمي التجريبي لأول مرة في حقل العلوم، وتعرف على عدد كبير من المواد والتفاعلات والعمليات الكيميائية، منها التقطير، والتسامي، والترشيح، والتبلور، والملغمة، والتكسيد، والتي أصبحت مقومات الكيمياء الحديثة. كما أنه اكتشف القلويات المعروفة حتى الآن في الغرب باسمها العربي Alkali. ولابن حيان الفضل في تعريف علماء أوروبا بملح النشادر وماء الذهب والفضة والبوتاس، ومن إسهاماته أيضا تكرير المعادن وتحضير الفولاذ وصبغ الأقمشة ودبغ الجلود، وطلاء الأقمشة المانعة للتسرب، واستخدام ثاني أكسيد المنغنيز في صنع الزجاج.

يضاف إلى ذلك العديد من الاكتشافات والابتكارات ومنها: اكتشاف الصودا الكاوية أو القطرون، والتوصل لطريقة فصل الذهب عن الفضة (الحلّ) بواسطة الأحماض وهي مستخدمة إلى يومنا هذا، واكتشاف أحماض النتريك والهيدروكلوريك والكبريتيك، وإضافة الكبريت والزئبق إلى العناصر الأربعة القديمة، وابتكار جهاز التقطير المعروف بشكله الزجاجي وقمعه الطويل والذي لا يزال يستخدم إلى هذا اليوم في الغرب تحت اسمه العربي الأنبيق “Alembic”. وباختراع جابر ابن حيان جاهز الأمبيق تأسس مفهوم خطير في علم الكيمياء استفادت منه البشرية جمعا، ذلك المفهوم هو التقطير، أي عملية فصل مادتين سائلتين عن بعضهما عبر ضغط البخار “، وتلك الطريقة ساعدته على اكتشاف العديد من الاحماض.

والمواد عند ابن حيان مقسمة إلى ثلاثة أنواع مختلفة، الأول: الكحوليات وهي التي تتبخر عند تسخينها كالكافور وكلوريد الألمنيوم، الثاني: المعادن كالذهب والفضة والرصاص والحديد، الثالث: المركبات التي يمكن تحويلها إلى مساحيق.

دفع مضار السموم:

مثلما برز ابن حيان في مجال الكيمياء فإن له إسهامات طبية لا يمكن إغفالها، وقد تجلت براعته في الطب بعدما أصيبت جارية أحد أصدقائه الوزراء بمرض خبيث لم يجدوا له علاج، فحين كشف جابر على الجارية عرف علتها ومسببات مرضها فوصف لها العلاج الناجع لتشفى. ومن مؤلفاته الطبية كتاب “السموم ودفع مضارها“، الذي تناول فيه بأسلوب علمي جوانب خفيه في مجالي الطب والكيمياء، واستعرض من خلاله أنواع السموم وأسماءها ومقاديرها والجيد منها والرديء، ليثري صيدليات الدنيا بتشكيلة متنوعة من الأدوية.

الرسائل السبعين :

من مؤلفاته المعروفة كتاب “الرسائل السبعين” الذي ترجمه إلى اللاتينية (جيرار الكريموني) سنة 1187م، وكتب أخرى تناول فيها شروحاً لمؤلفات أرسطو وأفلاطون، ورسائل في الفلسفة والرياضيات والطب، وقد ذكر المؤرخ المعروف خير الدين الزركلي أن مؤلفات ابن حيان تزيد عن 300 كتاب، ضاع أكثرها وترجم بعضها إلى اللغة اللاتينية أوائل القرن الـ12 ثم ترجمت مرة أخرى من اللاتينية إلى الإنجليزية عام 1678م. وله من الكتب كذلك: الخواص، وأسرار الكيمياء، وأصول الكيمياء، وعلم الهيئة، والمكتسب، والخمائر الصغيرة، وصندوق الحكمة، وكتاب الملك.

انطباعات الأوربيين:

ظل الأوروبيون يعتمدون على كتب جابر بن حيان عدة قرون، وعن فضله على حضاراتهم يقول المستشرق الألماني (ماكس مايرهوف) المهتم بأبحاث العلماء المسلمين في المجال الطبي: “يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى ابن حيان بصورة مباشرة، وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً من المصطلحات التي وضعها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوروبية”، بل إن أكثر تلك المصطلحات ما زالت تحتفظ بأل التعريف دلالة على عربيتها. وقال عنه مؤرخ العلوم في العصر الحديث (جورج سارطون): “لن نتمكن من معرفة القيمة الحقيقية لجابر بن حيان إلا إذا تم تحقيق وتحرير ونشر جميع مؤلفاته”. ورأى بعض العلماء أن ابن حيان مهد لاختراع القنبلة الذرية كونه اول من اشار إلى قوة الربط الذرية التي بني على أساسها عملية تفجير طاقة الذرة، بل أنه قال بالنص: في قلب كل ذرة قوة لو امكن تحريرها لأحرقت بغداد.

حضرت السياسة فحضر الموت:

لم يتعظ ابن حيان بما جرى لوالده، ففي أواخر أيامه، أقحم نفسه في دهاليز السياسية، فجاءت رجله فيما عرف بنكبة البرامكة أيام الخليفة هارون الرشيد، ومع ذلك ظل مخلصا للكيمياء، ففي خضم تلك الأحداث، وعندما كان في مخبئة بالكوفة، لاحظ أن الطوب الاحمر المعروف بالآجر يفرز أملاحا بيضاء، فعرف أنه يتفاعل كيميائيا، إلا أن القدر المحتوم لم يمهله ليتناول تلك المسألة بالبحث والتحليل، فقد ألقي عليه القبض، ودخل سجن الكوفة ومات فيه عام 199هـ – 815 م عن عمرا يناهز التسعين بعدما أثرى العالم بعلمه.

 

مصطلحات علمية وضعها جابر ابن حيان وعلماء مسلمون

ولا يزال الغربيون يستخدمونها :

 

 

المصطلح العـــربــــي المصطلح الانجليزي
الكيمياء Chemistry
الامبيق alembic
الغول Alcohol
الكافور Camphor
القلويات Alkali
الإكسير Elixir
العنبر Amber
ألوم Alum
القبة Alcove
الانتيمون Antimony
سينابار Cinnabar
جبس Gypsum
الملغم Amalgam
الزرنيخ arsenic
الصودا soda

 

 

 

لا توجد تعليقات
2429 مشاهدة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *